عزان بن عبدالله بن سعيد العلوي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي المنن والعطاء, الباعثِ رسوله ﷺ لينقذ عباده من الشقاء, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما هطلت بالخير سماء.
وبعد:
فقد نزلت على الكبد كالماء البارد رؤيةُ مشاهد المراكز الصيفية , وتفاني الجميع في إقامتها, من طلاب ومعلمين ومنفقين وكلِّ من أراد ما عند الله. ولا تخفى على ذي لب بركةُ تلك المجالسِ والخيرُ الذي أودعه الله في تلكم الحلقات من فنون العلم المختلفة, وكمالات الأخلاق والآداب, فجزى الله كل من شارك في إقامتها.
وفي هذا المقال أتعرض لموضوعٍ مهمٍ ينبغي الانتباه له والتنبيه عليه, وقد عنونته بـ(الثبات على الاستقامة وطلب العلم بعد المراكز الصيفية).
ففترة المراكز الصيفية يتقوى فيها الطالب على أنواع من سُبل نيل العلم, وينشط لصنوفٍ من العبادة, وذلك أمر بدهي, لأن البيئة المعينة موجودة , والصوارف المُشغلة قليلة, فلا عمل للطالب فيها غير كسب المعارف والترقي في درجات الطاعة والقرب من الله.
بيد أنّه كثيراً ما تفتر هذه العزائم وتبرد هذه الهمم, بل قد تنكص على أعقابها والعياذُ بالله, فمن قيام الليل والمحافظة على الرواتب والفرائض إلى تضييع لصلاة الفجر, ومن ثباتٍ على أذكار اليوم والليلة إلى ضياع الأوقات في اللغو واقتراف الآثام, ومن مكابدة نهار وسهر ليل في طلب العلم ومدارسته إلى هجران للكتب والدروس والمذكرات, ولاشك أن النكوص بعد الإقدام ثمرةٌ خبيثة للخذلان وعدم التوفيق والعياذُ بالله. فتجدُ طالباً يكاد يلتهم العلم في صيفٍ من الأصياف, ويتفانى في أنواع الطاعات, ثم يأتي إلى الصيف القادم وهو متلبس بصفات أهل النفاق في ما يظهر منه (وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون).(آل عمران:118), بل ربما يَحرم نفسَه أبواب الخير , والله المستعان.
وعليه يا خلمي العزيز أحببت أن نتواصى وإياك بالحق والصبر ونتعاون على البر والتقوى.
ولنعلم أن المجاهدة في طلب العلم والثبات عليه توفيق من الله, وأمر لا بد منه, فعلى الطالب أن يشحذ النفس ويكرهها عليه, فهو من أجل العبادات, وقد أمر الله نبي ﷺ بالاستمرار والثبات على الطاعة فقال: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)(الحجر:99).
وقد استعان النبي ﷺ بالله سبحانه وتعالى على ذلك, فقد كان لا يغفل عن دعاء الله تعالى , فمن دعائه ﷺ: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد).(الترمذي 3407). والثبات والعزيمة بهما ينال المرء كلَّ مقصود.
فكان رسول الله ﷺ إذا بدأ بعمل حافظ عليه وثبت عليه. قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي ﷺ إذا عمل عملاً أثبته).(مسلم746) , بل عد رسولُ الله ﷺ الثبات والاستمرار على القليل خير عند الله من الكثرة مع الانقطاع ,وقال ﷺ : (إنّ أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)(البخاري:6464). فكل المكتسبات التي يكسبها الطالب في فترة الدراسة الصيفية عليه أن يحافظ عليها وأن يزيد عليها, ولو كانت بمقدار أقل من فترة الصيف, لأن فرصة الصيف فرصة للتزود من العلم , وما بعدها هو استفادة من الزاد لأجل العمل والعلم.
وقد وصفَ القرآن الكريم صورة للتضييع بالمرأة التي تضيع غزلها بعد ما أحكمته فقال تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)(النحل:92). فلم تستفد من غزلها , بل عادت عليه بالنقض , فخسرت جهد الغزل وأضاعت جهد النقض. ونبّه الرسول ﷺ عبدالله بن عمرو لهذا المعنى فقال: (يا عبدالله , لا تكن مثل فلان, كان يقوم الليل فترك قيام الليل). (البخاري1152). بل كان من دعائه ﷺ : ( اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور)(مسلم1343). نسأل الله السلامة.
ولا شك أن طائف الشيطان يعرض للمؤمن وغيره, لكن المؤمن يتعامل معه كما أرشده القرآن الكريم فقال: (إن اللذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)(الأعراف:201). فيرجع ويسارع لإنقاذ نفسه من الضياع.
لذلك بلغ السلف في المجاهدة في طلب العلم شأناً عظيما حوت أخبارَهم المصنفاتُ الكثيرة, ومن أمثلة الخلف المشرقة أن الإمام الخليلي كان يقضي أوقاتاً في القراءة قبل أن يُنصب إماماً من العشاء إلى طلوع الفجر, ومن أمثلة الخلف ما يُخبر به شيخنا عبدالله بن سعيد المعمري عن شيخه العلامة سعيد بن مبروك القنوبي أنه تمر عليه الليلة والليلتان والثلاث ولم يذق طعم النوم لأجل طلب العلم والسهر عليه؛ حتى عمرت أوقاتهم بصنوف الطاعات وأنواع العبادات ,وقد رأيت في شيخنا حمود بن حميد الصوافي ما رآه عبدالرحمن بن مهدي في حماد بن سلمة حين قال: (لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً, ما قدر أن يزيد في العمل شيئا). رزقنا الله حسنَ الاقتداء بهم.
ولنتعرض إلى ذكر بعض الوسائل المعينة على هذا الاستمرار والثبات في الطاعة وعلى طلب العلم:
أ- الاستعانة بالله, والضراعة إليه متمثلين قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)(الفاتحة:5)
ب- إدراك أن الثبات منحة ربانية , فلا فضل للنفس فيها ولا حظ لاكتسابها دون توفيق الله لعبده. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)(آل عمران:8).
ت- الدعاء بالثبات فقد كان النبي ﷺ يوصي أصحابه : (إذا كنز الناس الذهب والفضة , فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد..) (مسند أحمد:17114).
ث- المجاهدة (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)(العنكبوت69). وليتذكر الغنائم التي سيحصل عليها إن انتصر في جهاده.
ج- مصاحبة الصالحين. فعن النبي ﷺ : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية). (أبو داود:547). فإن وجد من هو أعلم منه ووفقه الله للتعلم عليه فذلك غاية الخير .
ح- إدراك أن الوقت هو العمر وهو رأس المال. وبه تكون السعادة أو الشقاء في الدارين. عن النبي ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ).(البخاري:6412). وعنه ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك, وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك).(الحاكم:7846). وعنه ﷺ : لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه , حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبلاه, وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وماذا عمل فيما علم). (الترمذي:2416).
خ- الترويح عن النفس, فقد قال النبي ﷺ لحنظلة: (ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً).(مسلم2750). وقال النبي ﷺ لعبدالله بن عمرو : (إنك لتصوم الدهر, وتقوم الليل؟) قال: نعم. قال: ( إنك إذا فعلت ذلك , هجمت له العين- أي غارت ودخلت في موضعها من الضعف والمرض-, ونفهت له النفس- أي تعبت-, لا صام من صام الدهر, صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله).(البخاري1979). وقال ﷺ : (صم وأفطر, وقم ونم , فإن لجسدك عليك حقا, وإن لعينك عليك حقا, وإن لزوجك عليك حقا , وإن لزورك –أي زائرك- عليك حقاً).(البخاري1975). وهذا الترويح حق للنفس , ووقودها للاستمرار على الخير , فلا يحرم نفسه حقها.
والأسباب المعينة كثيرة , فليتأملها طالب العلم, وسيدركها وهو يخوض مرحلة الاستمرار والثبات.
ومن الأفكار المقترحة لاستغلال الوقت والثبات على طلب العلم بعد انتهاء المراكز الصيفية:
أ- القراءة المستمرة وتنويعها. ولو بمقدار قليل, فإنما السيل اجتماع النقط, وليحرص على التنويع حتى لا تَمل النفس, فالملل آفة طالب العلم.
ب- القراء الجماعية . وهي مهمة جداً وكذلك فهي يسيرة الآن مع سهولة وسائل التواصل, ففيها يتشجع المرء للاستمرار وفيها حلٌ للمشكلات وتفكيكٌ لمُغلق العبارات. قال النووي: (فمذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أياما). فتأمل.
ت- الإنجازات البحثية. والمقصود بها الاهتمام بالكتابة , فيأتي إلى المسائل التي يعسر عليه ضبطها فيكتب فيها ملخصاً, أو يفصل مجملاً أو يكتب عن مسألة مشكلة بعبارته الخاصة , أو ينظم نثرا . وكل ما كان فيها ارتباط بالقلم فهو مفيد.
ث- نشر العلم وتطبيقه. بإقامة حلقات العلم والدروس للصغار ولأهل البيت ولعامة الناس, وظهور ثمرة العلم عليه وعلى أفعاله وأقواله (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)(فصلت:33). ولا يتعجل مجالس التصدر فتلك آفة عليه الحذر منها.
ج- التعاهد والمذاكرة. فيرجع إلى ملخصاته ومذكراته ويراجع مسائل العلم ويضبطها, ويُحضر لما ينتظره في الصيف القادم, فيستعد له بحفظ المتون لتكون فترة الصيف فترة مناقشة واستفادة لا فترة ضبط ومراجعة لما درسه. قال أبو حنيفة لتلميذه القاضي أبي يوسف: (كنت بليداً فأخرجتك المواظبة).
ح- انتقاء ما يقرأه ويسمع. قال الزهري: (يا يونس , لا تكابر العلم فإن العلم أودية , فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه, ولكن أخذه مع الأيام والليالي ولا تأخذ العلم جملة , فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة, ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي).
قال العلامة أبو مسلم:
وما أنت بالعلم الغزير بمفلح ومالك جد في التقاة غزير
وحسبك علماً نافعا فرد حكمة بها السر حي والجوارح نور
خ- التنوع المعرفي. والمقصود أن يُنوع طُرق التعلم. من قراءة وكتابة استماع ومدارسة وحفظ. فكل ذلك خير, وربما تميل نفسه لنوع دون آخر , فهذه أبواب عليه أن يحرص عليها.
وختاماً:
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم , اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا اجعل لنا كل صعب سهلا. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_________________________________________________________________________
- صورة المقال منقولة من حساب مركز الإمام الخليلي


أسأل الله تعالى الثبات، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك.
ردحذفبارك الله فيك
ردحذفمقال رائع ومهم جدا
نسأل الله أن يثبتنا على الحق المبين